ابن أبي العز الحنفي

211

شرح العقيدة الطحاوية

ش : يشير الشيخ رحمه اللّه إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية ، وعلى من يشبه اللّه بشيء من مخلوقاته . فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » « 178 » ، الحديث : أدخل « كاف » التشبيه على « ما » المصدرية [ أو ] الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى المصدر الذي هو الرؤية ، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي . وهذا بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ، ودفع الاحتمالات عنها . وما ذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح ؟ ! فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص ، كيف يستدل بنص من النصوص ؟ ! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه : إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر ؟ ! ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ الفيل : 1 . ونحو ذلك مما استعمل فيه « رأى » التي من أفعال القلوب ! ! ولا شك أن « ترى » تارة تكون بصرية ، وتارة تكون قلبية ، وتارة تكون من رؤيا الحلم ، وغير ذلك ، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلّص أحد معانيه من الباقي . وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلّصة لأحد المعاني لكان مجملا ملغزا ، لا مبيّنا موضحا . وأي بيان وقرينة فوق قوله : « ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب » ؟ فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر ، أو برؤية القلب ؟ وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى اللّه قلبه ؟ فإن قالوا : ألجأنا إلى هذا التأويل ، حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور إمكانها ! فالجواب : أن هذه دعوى منكم ، خالفكم فيها أكثر العقلاء ، وليس في العقل ما يحيلها ، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال . وقوله : « لمن اعتبرها منهم بوهم » ، أي توهم أن اللّه تعالى يرى على صفة كذا ، فيتوهم تشبيها ، ثم بعد هذا التوهم - إن أثبت ما توهمه من الوصف - فهو مشبه ، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم - فهو جاحد معطل . بل

--> ( 178 ) متفق عليه ، وقد تقدم ( ص 193 ) .